الشوكاني
112
فتح القدير
قوله ( وإذ قال إبراهيم ) متعلق بمحذوف : أي أذكر وقت قوله ، ولعل المراد بسياق ما قاله إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع بيان كفر قريش بالنعم الخاصة بهم ، وهى إسكانهم مكة بعد ما بين كفرهم بالنعم العامة ، وقيل إن ذكر قصة إبراهيم ها هنا لمثال الكلمة الطيبة ، وقيل لقصد الدعاء إلى التوحيد ، وإنكار عبادة الأصنام ( رب اجعل هذا البلد آمنا ) المراد بالبلد هنا مكة : دعا إبراهيم ربه أن يجعله آمنا : أي ذا أمن ، وقدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده ، لأنه إذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشئ آخر من أمور الدين والدنيا ، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في البقرة عند قوله تعالى - رب اجعل هذا بلدا آمنا - ، والفرق بين ما هنا وما هنالك أن المطلوب هنا مجرد الأمن للبلد ، والمطلوب هنالك البلدية والأمن ( واجنبني وبنى أن نعبد الأصنام ) ، يقال جنبته كذا وأجنبته وجنبته : أي باعدته عنه ، والمعنى : باعدني ، وباعد بنى عن عبادة الأصنام ، قيل أراد بنيه من صلبه وكانوا ثمانية ، وقيل أراد من كان موجودا حال دعوته من بنيه وبنى بنيه ، وقيل أراد جميع ذريته ما تناسلوا ، ويؤيد ذلك ما قيل من أنه لم يعبد أحد من أولاد إبراهيم صنما ، والصنم هو التمثال الذي كانت تصنعه أهل الجاهلية من الأحجار ونحوها فيعبدونه . وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر " وأجنبني " بقطع الهمزة على أن أصله أجنب ( رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ) أسند الإضلال إلى الأصنام مع كونها جمادات لا تعقل ، لأنها سبب لضلالهم فكأنها أضلتهم ، وهذه الجملة تعليل لدعائه لربه ، ثم قال ( فمن تبعني ) أي من تبع ديني من الناس فصار مسلما موحدا ( فإنه منى ) أي من أهل ديني : جعل أهل ملته كنفسه مبالغة ( ومن عصاني ) فلم يتتابعني ويدخل في ملتي ( فإنك غفور رحيم ) قادر على أن تغفر له ، قيل قال هذا قبل أن يعلم أن الله لا يغفر أن يشرك به كما وقع منه الاستغفار لأبيه وهو مشرك ، كذا قال ابن الأنباري ، وقيل المراد عصيانه هنا فيما دون الشرك ، وقيل إن هذه المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك ، ثم قال ( ربنا إني أسكنت من ذريتي ) قال الفراء : من للتبعيض : أي بعض ذريتي . وقال ابن الأنباري : إنها زائدة : أي أسكنت ذريتي ، والأول أولى ، لأنه إنما أسكن إسماعيل وهو بعض ولده ( بواد غير ذي زرع ) أي لا زرع فيه ، وهو وادى مكة ( عند بيتك المحرم ) أي الذي يحرم فيه ما يستباح في غيره ، وقيل إنه محرم على الجبابرة ، وقيل محرم من أن تنتهك حرمته ، أو يستخف به . وقد تقدم في سورة المائدة ما يغنى عن الإعادة ، ثم قال ( ربنا ليقيموا الصلاة ) اللام متعلقة بأسكنت : أي أسكنتهم ليقيموا الصلاة فيه ، متوجهين إليه ، متبركين به ، وخصها دون سائر العبادات لمزيد فضلها ، ولعل تكرير النداء لإظهار العناية الكاملة بهذه العبادة ( فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم ) الأفئدة جمع فؤاد ، وهو القلب ، عبر به عن جميع البدن ، لأنه أشرف عضو فيه . وقيل هو جمع وفد والأصل أوقدة رسول فقدمت الفاء ، وقلبت الواو ياء ، فكأنه قال : وجعل وفودا من الناس تهوى إليهم ، و " من " في من الناس للتبعيض ، وقيل زائدة ولا يلزم منه أن يحج اليهود والنصارى بدخولهم تحت لفظ الناس ، لأن المطلوب توجيه قلوب الناس إليهم للسكون معهم والجلب إليهم لا توجيهها إلى الحج ، ولو كان هذا مرادا لقال تهوى إليه ، وقيل من للابتداء كقولك : القلب منى سقيم ، يريد قلبي ، ومعنى تهوى إليهم : تنزع إليهم ، يقال هوى نحوه : إذا مال ، وهوت الناقة تهوى هويا فهي هاوية : إذا عدت عدوا شديدا كأنها تهوى في بئر ، ويحتمل أن يكون المعنى : تجئ إليهم أو تسرع إليهم ، والمعنى متقارب ( وارزقهم من الثمرات ) أي ارزق ذريتي الذين أسكنتهم هنالك أو هم ومن يساكنهم من الناس من أنواع الثمرات التي تنبت فيه ، أو تجلب إليه ( لعلهم يشكرون ) نعمك التي أنعمت بها عليهم ( ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن ) أي ما نكتمه وما نظهره ، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليه سبحانه سيان ، قيل والمراد هنا بما نخفى ما يقابل ما نعلن ، فالمعنى ما نظهره